السيد كمال الحيدري
359
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
وعبده وأخلص له وأحسّ بارتباط عميق به قبل أن يصل إلى أيّ مرحلة من التجريد الفكري الفلسفي أو الفهم المكتمل لأساليب الاستدلال . ولم يكن هذا الإيمان وليد تناقض طبقيّ أو من صنع مستغلّين ظالمين تكريساً لاستغلالهم أو مستغَلّين مظلومين تنفيساً لهم ، لأنّ هذا الإيمان سبق في تاريخ البشرية أيّ تناقضات من هذا القبيل . ولم يكن هذا الإيمان وليد مخاوف وشعور بالرعب تجاه كوارث الطبيعة وسلوكها المضادّ ، ولو كان الدين وليد خوف وحصيلة رعب لكان أكثر الناس تديّناً على مرّ التاريخ هم أشدّهم خوفاً وأسرعهم هلعاً ، مع أن الذين حملوا مشعل الدين على مرّ الزمن كانوا من أقوى الناس نفساً وأصلبهم عوداً . بل إن هذا الإيمان يعبّر عن نزعة أصيلة في الإنسان إلى التعلّق بخالقه ووجدان راسخ يدرك بفطرته علاقة الإنسان بربّه وكونه : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) . وفي فترة تالية تفلسف الإنسان واستخلص من الأشياء التي تحوطه في الكون مفاهيم عامّة كالوجود والعدم والوجوب والإمكان والاستحالة والوحدة والكثرة والتركّب والبساطة والجزء والكلّ والتقدّم والتأخّر والعلّة والمعلول ، فاتّجه على الأكثر إلى استخدام هذه المفاهيم وتطبيقها في مجال الاستدلال على نحو يدعم ذلك الإيمان الأصيل بالله سبحانه وتعالى ويفلسفه ويبرزه بأساليب البحث الفلسفي .